يكتُب : الاستاذ ابراهيم عبد المجيد ـ محمود السعدني الذي خدعني


. بقلم الكاتب الكبير ابراهيم عبد المجيد
محمود السعدني الذي خدعني
. _مَوْسُوعَةُ عَرَبِ السَّعَادِنَةِ_ لسوء حظي لم ألتقي بمحمود السعدني بعد أن عاد إلي مصر في زمن مبارك واستقر فيها . هل كنت أقصد ذلك ؟ بالقطع لا . لكني عرفت كتابات محمود السعدني مبكرا . وبخاصة كتابه الولد الشقي كما كنت اقرأ له أحيانا مقالات في روزا اليوسف أو في مجلة المصور في السنوات الأخيرة من حياته . تقريبا كل يوم أتذكرمحمود السعدني ومقاله الذي كان يكتبه في مجلة المصور تحت عنوان " أنا أحب الجيزة " فهو من مواليدها في العشرين من نوفمبر عام 1927ولقد اخترت يوم مولده لاكتب هذا المقال فهو حي لا يفارقني رغم وفاته عام 2010 . هو من مواليد محافظة الجيزة ومن رواد مقاهيها مع عدد رائع من الأدباء لكن السعدني ظل ويظل بالنسبة لي كاتبا مرتحلا في متاهة من التاريخ والواقع . من التاريخ تعرف حياته الصحفية والسياسية قبل ثورة يوليو وبعدها من كتابه الذي أشرت أليه بأجزائه المختلفة . الجزء الأول من الولد الشقي عن طفولته وصباه في الجيزة والجزء الثاني عن بداياته في العمل الصحفي والجزء الثالث الولد الشقي في السجن عن بعض شخصيات عرفها والأخير الولد الشقي في المنفي . وكتب أخري مثل "السعلوكي في بلاد الأفريكي ! "عن رحلاته في افريقيا أو "الموكوس في بلاد الفلوس" عن أيام لندن قبل أن يستقر في مصر أو بعض رحلاته التي أسماها "رحلات ابن عطوطة" . وعطوطة من العط بالعامية المصرية التي تعني من لا يهدأ في مكان . كتب قصصا قصيرة ورواية لكن كتاباته الصحفية غلبت عليه ولم تترك لغيرها فرصة وكتاباته لم تكن تقارير لكن كانت أراء ودراسة لما يقول حتي وهو يقدمها في سخرية بلغت مداها في "حمار من الشرق" وفي "عودة الحمار" . باختصار لم يكن متوافقا مع ما حوله أبدا وتوافقه أيام مبارك لم يكن توافقا بقدر ماكان صمتا وتقدما في العمر وتفرغ للكتابة عن الماضي وذكرياته أكثر .
ومن الواقع تعرف متاهته لأنه تقريبا دارعلي كل دول الخليج بعد أن تولي السادات الحكم ولم يشفع له أنه كان أحد ضحايا سجون عبد الناصر فلم يتحمل السادات آرائه ولا سخريته . ذهب السعدني إلي بيروت ولم يستقر وإلي ليبيا ولم يستقر وإلي الخليج ولم يستقر وإلي الكويت ولم يستقر ثم إلي لندن ومنها عاد إلي القاهرة مع من عادوا بعد مقتل السادات . هو الذي أحب ان يقال عنه الولد الشقي في السياسة والصحافة شقي بالبحث عن استقرار في زمن كانت كل الصحف تتهم بالدعم من هنا أو هناك .خدعة السعدني لي هي أنه جعلني أحب الجيزة وأسكن فيها رغم أني بدأت سنوات شبابي في القاهرة بالسكن في روكسي ثم حدائق القبة وهي أحياء كانت رائعة بمحافظة القاهرة . بعد الزواج والاستقرار بعيدا عن الشقق المفروشة اخترت امبابة في الجيزة لعشرين سنة ثم حدائق الأهرام منذ ثلاث عشر سنة وكنت في السنوات الأولي أخرج من البيت أنظرحولي أرى الشمس ساطعة والفضاء جميل وسهراتي مع أصدقائي من منطقة الوراق بالجيزة أيضا رائعة وأصدق أنه يمكن للفرد أن يحب الجيزة وشيئا فشيئا صارت الجيزة جحيما حتي أحياؤها الراقية مثل المهندسين والدقي تم تدميرها . انتهت الأراضي الزراعية بالجيزة لصالح البنايات العشوائية واختفت ترعة المريوطية والمنصورية تحت ضغط الحركة وصارت طرقا وبيعت تقريبا كل الفلل القديمة لمشاهير الكتاب والفنانين القدامي في تلك المناطق لتكون صالات أفراح لا ينقطع ضجيجها كل يوم . أنسي واعتبر أن محمود السعدني هو الذي خدعني ثم أتذكر أن الخدعة الكبري هي فيما طرأعلي كل البلاد من تحولات عشوائية ضد الخضرة والماء والاتساع وزيادة السكان الرهيبة التي لايجدون لها متنفسا في الصحرء التي تحيط بالمدن القديمة بل في الاعتداءات علي الأراضي الزراعية والبحيرات . الآن كل صباح أتذكر السعدني وأقوال له خدعتني أيها العظيم وأحببت الجيزة ثم أتذكر أننا خُدعنا جميعا وأن حب السعدني للجيزة هو من ميلاده بها أيام كانت المدن واحات للراحة والجمال ينزل عليها الفضاء نهارا لا يريد أن يتركها ويخيم عليها الليل بكل الطمأنينة التي يحتاجها البشر . لكن السعدني لم يخدعني في كتبه . متعتي بها لا تزال تمشي معي . وهناك من بين كتبه كتاب عظيم جدا هو "مصر من تاني ". كان السعدني يؤرخ للحياة الصحفية وللمشاهير ولقراء القرآن الكبار من المصريين و في هذا الكتاب ما لم تذكره كتب المؤرخين عن شخصيات لا يقف عندها من يؤرخون للزمن بالحكام . انه يؤرخ بالشعب والناس العاديين في وقت مبكر كما فعلها أحمد بهاء الدين في كتابه " أيام لها تاريخ وبعده صلاح عيسي في حكايات من دفتر الوطن " وقبلهم جميعا حسين فوزي في سندباد مصري . هذا التاريخ الغائب عن المصريين لا تزال المدارس عاجزة عن إيصاله لطلابها ولا تزال لا تري تاريخ مصر إلا من خلال الحكام والغزاة ومعاركهم . يمشي السعدني في كتابه مع الشعب منذ الفتح الاسلامي حتي ثورة يوليو 1952 . بقدر ما يذكر المشاهير يذكر من لا يذكرهم أحد وكانوا الأكثر فاعلية في الثورات والاضطرابات ضد الغزاة و المحتلين عبر العصور .
أما كتابه الآخر الذي لا أنساه , الحقيقة من الصعب أن أنسي متعتي بكتبه لكن أعني هنا كتابه " الطريق إلي زمش ". هو ضحك لكنه أشبه بالبكاء فكما كان للشيوعيين تنظيمات تختصر في كلمة مثل " الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني – حدتو " جعل من "زمش" اختصارا لتنظيم وهمي أقامه وسط الشيوعيين في المعتقل ممن لا علاقة لهم بالشيوعية أو الإخوان واعتقلوا ظلما في عهد عبد الناصر . الجملة هي " زي ما انت شايف " واختصارها " زمش "
"زمش " أيضا اختصار لإجابة علي اتهام اللمثقفين وغيرهم بالشيوعية وبالانتماء الي أحزاب سرية . هؤلاء الذين لا علاقة لي بشيئ فالسعدني حين قبض عليه مع القبضة الكبري التي بدأت في مستهل عام 1959 للشيوعيين لم يكن منتميا إلي أي حزب سري . كان زي ما انت شايف ! صحفي وأديب له كتب وهناك مسلسلات إذاعية عن كتابه الولد الشقي ولم يكن ضد ثورة يوليو . هناك كتب كثيرة أرخت للقبض علي الشيوعيين لطاهر عبد الحكيم مثلا وفتحي عبد الفتاح وعبد العظيم أنيس لكن كتاب السعدني كان أخفهم ظلا رغم البؤس المحيط بالجميع . لقد سخر فيه أيضا من بعض الشيوعيين ليس لأفكارهم لكن لتحملهم التعذيب وتفاؤلهم . لم يقم بتجريح أفكارهم لكن كانت دهشته من الاستمرار في الأمل وفقد أجمل أيام العمر . لقد اخترت أن أكتب المقال في هذا الشهر نوفمبر حيث كان ميلاد السعدني ولا أعرف هل يسمع الموتي أم لا فلازلت أقول له كل صباح ليه خلتني أحب الجيزة يا سعدني رغم أني أعرف أنه في مصر عز الجمال في كل المحافظات لكن يبدو أني تعودت أن أرسل اليه هذه الرسالة الضاحكة كما تعودت أن أضحك مع سخريته أيام الشباب الجميل .

التعليقات (0)
كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال.
