
. _مَوْسُوعَةُ عَرَبِ السَّعَادِنَةِ_ فصلٌ في أقسام العمران بمصر: الصعايدة والفلاحون والحضر والبدو
اعلم أن النظر في أحوال الناس لا يستقيم إذا أُخذ على ظاهر الأسماء أو على مجرد الاشتراك في العمل، فإن الناس قد يشتركون في الزراعة أو غيرها من وجوه الكسب، ثم يختلفون في حقيقتهم الاجتماعية اختلافًا يرجع إلى اختلاف الأقاليم والبيئات وأنماط الاستقرار، وما يترتب على ذلك من عوائد وأحوال.
ومصر من البلاد التي يظهر فيها هذا المعنى ظهورًا بيّنًا، إذ اجتمع فيها نهر واحد ممتد، يحيط به عمران زراعي كثيف في جهة، وعمران زراعي ممتد في جهة أخرى، ومدن كبرى تتوسطه، وصحارى تحف به من الأطراف، فكان العمران فيها على أربعة أقسام كبرى: الصعيد، والدلتا، والحضر، والبدو.
فأما الصعيد فهو ما امتد من الجيزة إلى أسوان، وهو عمران نهري زراعي قائم على ضفاف النيل، تغلب عليه القرى الممتدة على طول الوادي، وتباعد المسافات بين بلداته، مما جعل الروابط الاجتماعية فيه أكثر ظهورًا واتصالًا بالعائلة والقرابة في بعض المواضع، كما أن فيه امتدادًا تاريخيًا لعناصر عربية استقرت في الوادي في عصور الفتح وما بعده ثم تداخلت مع أهل البلاد، فنتج عن ذلك وجود روابط عائلية وقبلية في بعض البيئات بدرجات متفاوتة بحسب المنطقة والتاريخ، غير أن الصعيد في جملته يظل عمرانًا زراعيًا نهريًا مستقرًا، وإن تميز بطابعه الاجتماعي الخاص.
وأما الدلتا، وهم الذين جرى في الاصطلاح العام تسميتهم بالفلاحين، فهي أرض زراعية كثيفة القرى، متقاربة العمران، متداخلة الأعمال، يغلب عليها الاستقرار الشديد في الزراعة، حتى صار لفظ الفلاحين وصفًا اجتماعيًا لأهل هذا الإقليم من جهة العرف لا من جهة المهنة وحدها، إذ الزراعة عامة في مصر كلها، وإنما خصّت الدلتا بهذا الاسم لغلبة هذا النمط من العمران فيها.
وأما الحضر فهم سكان المدن الكبرى، كالقاهرة والإسكندرية ومدن القناة وغيرها، وهم أهل عمران مديني يقوم على التجارة والصناعة والإدارة والخدمات، ويغلب عليهم الاختلاط وتنوع الأعمال، ويختلف نمط حياتهم عن أهل الريف من حيث شكل العمران وتنظيم المعيشة، لا من حيث الأصل الإنساني.
وأما البدو فهم سكان الأطراف الصحراوية، في سيناء ومطروح وما يتصل بهما من الصحارى والامتدادات، ويغلب عليهم نمط الحياة القائم على التنقل والرعي والتجارة في الأطراف، مع تنظيم اجتماعي يعتمد على الروابط القبلية والعصبية، بما يناسب طبيعة الصحراء واتساعها وقلة مواردها وثبات العمران فيها.
فإذا تأمل الناظر هذه الأقسام علم أن مصر إنما هي عمران واحد تتعدد صوره بتعدد البيئات، فالصعيد والدلتا عمران زراعي نهري، غير أن أحدهما ممتد والآخر كثيف، والحضر عمران مديني مستقل، والبدو عمران صحراوي طرفي، وكل قسم منها له طبيعته التي نشأ عليها، ووظائفه في نظام الاجتماع.
ولا يصح أن يُجعل أحد هذه الأقسام أدنى أو أعلى من غيره من جهة الأصل أو القيمة، فإن ذلك ليس من العلم في شيء، وإنما الاختلاف اختلاف أحوال ومعاش وبيئات، لا اختلاف جوهر الناس أو قدرهم.
والله أعلم.
التعليقات (0)
كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال.
