Arabalsaadna303الموسوعة الشاملة
Logo

الإمبراطورية الرومانية الشرقية في منتصف القرن الخامس الميلادي

📅7 يونيو 2026
⏱️14 دقائق قراءة

الإمبراطورية الرومانية الشرقية في منتصف القرن الخامس الميلادي

. _مَوْسُوعَةُ عَرَبِ السَّعَادِنَةِ_ "الإمبراطور مرقيانوس"

  (Flavius Marcianus Augustus / Φλάβιος Μαρκιανός Αύγουστος)(١)

★ مجمع خلقدونية والانقسام الكبير 

 

شهدت الإمبراطورية الرومانية الشرقية في منتصف القرن الخامس الميلادي تحولاً سياسياً وعقائدياً كبيراً عقب وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني (Theodosius\ II) في ٢٨ يوليو ٤٥٠م إثر سقوط مفاجئ من على جواده، حيث ترك العرش بلا وريث مباشر من الذكور، مما أوجد فراغاً سياسياً هدد استقرار البلاط البيزنطي في القسطنطينية . 

في تلك اللحظة ظهر القائد العسكري مارقيان (Marcianus) كشخصية محورية لملء هذا الفراغ، وهو الذي ولد في عام ٣٩٢م في منطقة ثراقيا (Thraciae) وعاش مسيرة عسكرية حافلة تدرج خلالها في الرتب حتى أصبح حامياً شخصياً للقادة العسكريين الكبار مثل أردابوريوس (Ardaburius) وابنه أسبار (Aspar) الألانِيَّيْن (الجرمان)، وظل يشغل مكانة عسكرية متميزة حتى لحظة اختيار السدة الإمبراطورية.

تطلبت التقاليد السياسية الرومانية شرعنة اعتلاء مارقيان العرش، فتمت صياغة ترتيب سياسي تمثل في زواجه من الإمبراطورة بولكيريا (Aelia Pulcheria)، شقيقة الإمبراطور الراحل ثيودوسيوس الثاني، والتي كانت تتمتع بنفوذ ديني وسياسي واسع وحظوة كبيرة لدى الشعب والجيش. وافقت بولكيريا على هذا الزواج شريطة أن يحترم مارقيان نذر عذريتها (عدم الزواج- الرهبنة) الذي قطعته على نفسها طوال حياتها، وهو ما قبل به مارقيان لتأمين الشرعية السلالية الحاكمة، فتم إعلان زواجهما رسمياً، وبموجب هذا التوافق وبدعم مباشر من القائد أسبار والجيش، نُصب مارقيان إمبراطوراً شرعياً للبلاد.

أقيمت مراسم التتويج الرسمية للإمبراطور الجديد مارقيان في ٢٥ أغسطس ٤٥٠م في ميدان سباق الخيل (Hippodrome) بالقسطنطينية، حيث قام بطريرك القسطنطينية أناتوليوس (Anatolius) بوضع التاج على رأسه، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية اتسمت بالشدة والحزم في إدارة الملفات الخارجية والداخلية، ولا سيما الملف العقائدي الديني وملف إدارة الولايات الكبرى وفي مقدمتها الولاية المصرية التي كانت تمثل سلة غلال الإمبراطورية ومركز ثقلها الفكري والاقتصادي.

بدأ الإمبراطور مارقيان حكمه في ٢٥ أغسطس ٤٥٠م وهو في سن الثامنة والخمسين من عمره، وكان أول قرار اتخذه عقب التتويج هو التوقف الفوري عن دفع الإتاوة السنوية الضخمة التي كان يتقاضاها أتيلا الهوني (Attila) ملك الهون (Hunni)، والتي فرضها سابقاً على ثيودوسيوس الثاني، وأعلن مارقيان عبارته الشهيرة بأنه "يملك الذهب لأصدقائه والحديد لأعدائه"، مما دفع أتيلا إلى توجيه تهديداته نحو الإمبراطورية الغربية بدلاً من الشرقية.

على الصعيد الإداري في مصر (Aegyptus)، استهل مارقيان الربع الأخير من عام ٤٥٠م بتأمين الاستقرار الإداري والاقتصادي، حيث كان يتولى منصب حاكم مصر الوالي الأغسطالي ثيودوروس (Theodorus)، الذي ركز جهوده على ضبط عمليات توريد القمح من موانئ الإسكندرية  إلى العاصمة الإمبراطورية، ومتابعة جمع الضرائب المتأخرة التي أثقلت كاهل الفلاحين المصريين .

في الإسكندرية، كان البابا ديسقورس الأول (Dioscorus) يتولى السدة المرقسية منذ عام ٤٤٤م، وكان يتمتع بنفوذ ديني وروحي هائل في مصر، ومدعوماً بالكامل من الشعب المصري والرهبان في برية شيهيت (Scetis). أرسل الإمبراطور مارقيان والشركاء في البلاط رسائل إلى البابا ديسقورس تلمح إلى ضرورة مراجعة القرارات اللاهوتية التي اتخذت في مجمع أفسس الثاني عام ٤٤٩م، والبدء في التجهيز لعقد مجمع مسكوني جديد لإعادة النظر في القضايا الإيمانية المثارة، وهو ما قوبل بالحذر والتحفظ من الجانب المصري.

قبيل نهاية عام ٤٥٠م و في ديسمبر، صدرت المراسيم الإمبراطورية الأولى التي تقضي بإلغاء بعض الإعفاءات الضريبية التي منحتها الإدارة السابقة لبعض النبلاء، وإعادة تنظيم الدواوين المالية في المقاطعات المصرية السبع، وتشديد الرقابة على الموانئ التجارية لمنع تهريب البضائع والمنتجات المحلية، لضمان ملء الخزانة الإمبراطورية التي أنهكتها الحروب والإتاوات السابقة.

مع بداية يناير ٤٥١م، دخل الإمبراطور مارقيان الشهر الخامس من حكمه وعمره تسعة وخمسون عاماً، وركز جهوده الدبلوماسية والدينية على التنسيق مع أسقف روما البابا ليون الأول (Leo I) لإعداد الترتيبات الخاصة بالمجمع الديني الكبير، وأصدر مارقيان في ربيع ٤٥١م مرسوماً إمبراطورياً يدعو فيه جميع أساقفة الإمبراطورية للاجتماع في مدينة نيقية (Nicaea) أولاً، قبل أن يتم نقل المقر لاحقاً إلى خلقدونية لأسباب أمنية تتيح للإمبراطور الإشراف المباشر على الجلسات.

في مصر، تولى الوالي الجديد فلوريانوس (Florianus) منصب الحاكم الإمبراطوري ومحافظ الإسكندرية في ربيع عام ٤٥١م، واجه الوالي فور تسلمه مهامه اضطرابات اجتماعية واقتصادية ناتجة عن التذمر الشعبي من القوانين المالية الصارمة، بالإضافة إلى بدء تحركات عسكرية من قبائل النوبة والبليميين (Blemmyes) على الحدود الجنوبية لمصر في منطقة أسوان (Syene) وفيلة (Philae)، والذين استغلوا انشغال العاصمة بالترتيبات السياسية لشن غارات على القرى المصرية وتخريب المحاصيل.

سافر البابا ديسقورس الأول من الإسكندرية متوجهاً إلى المجمع ومعه وفد من الأساقفة المصريين واللاهوتيين، وفي مقدمتهم الشماس بطرس الذي أصبح لاحقاً البابا بطرس الثاني منغوس (Petrus II Mongus)، تاركين إدارة الشؤون القبطية اليومية في الإسكندرية لرجال الإكليروس المحليين، وسط ترقب شعبي وجماهيري كبير في الشارع المصري الذي ربط بين استقلاله اللاهوتي ومكانة كرسي الإسكندرية وبين الهوية السياسية والاقتصادية لمصر.

بحلول شهر يونيو ٤٥١م، كان مارقيان قد قضى قرابة ١٠ أشهر في الحكم، حيث استقرت الأوضاع العسكرية على الحدود الشمالية للإمبراطورية بعد انشغال الهون بالهجوم على بلاد الغال (فرنسا الحالية)، مما أتاح لمارقيان وبولكيريا توجيه كامل طاقات الدولة لتأمين انعقاد المجمع الديني وضمان حضور مكثف للأساقفة الموالين لتوجهات القسطنطينية وروما، وتأمين الطرق البحرية التي تنقل الوفود من مصر والشام وآسيا الصغرى إلى بحر مرمرة.

افتتح مجمع خلقدونية (Concilium Chalcedonense) رسمياً في ٨ أكتوبر ٤٥١م في كنيسة القديسة اوفيمية (Euphemia) بحضور حوالي خمسمائة أسقف، وترأس الجلسات نواب الإمبراطور وقادة البلاط برئاسة القائد العسكري أسبار وبحضور الإمبراطور مارقيان والإمبراطورة بولكيريا في بعض الجلسات العامة الحاضرة لتأكيد الإرادة الملكية فرضاً للنظام والتوجه العقائدي.

تمحورت أسباب المجمع حول إلغاء قرارات مجمع أفسس الثاني عام ٤٤٩م، ومناقشة طبيعة السيد المسيح، حيث تبنى المجمع العقيدة التي تقول بوجود "طبيعتين مشيئتين بعد الاتحاد دون اختلاط ولا تغيير ولا انفصال ولا تقسيم"، وهو ما صاغه البابا ليون الأول في رسالته الشهيرة المعروفة باسم "طومس ليون" (Tomus Leonis)، والتي اعتبرها الوفد المصري برئاسة البابا ديسقورس انحرافاً عن الصيغة الكيرلسية (نسبة للقديس كيرلس الكبير) التي تؤمن بـ "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد".

شهدت الجلسات مواجهات لاهوتية حادة، حيث دافع البابا ديسقورس عن موقفه اللاهوتي بقوة، ورفض التوقيع على طومس ليون، مما أدى إلى توجيه اتهامات إدارية وعقائدية له، وفي الجلسة الثالثة للمجمع التي عقدت في ١٣ أكتوبر ٤٥١م، صدر قرار من المجمع بعزل البابا ديسقورس من منصبه الكنسي وتجريده من رتبته الكهنوتية، وتبعه صدور مرسوم إمبراطوري من مارقيان بنفيه إلى جزيرة غانغرا (Gangra) في بابلاغونيا (Paphlagonia) بآسيا الصغرى.

أحدثت قرارات المجمع التي اختتمت أعماله في ١ نوفمبر ٤٥١م، زلزالاً سياسياً ودينياً في مصر، حيث رفض الشعب المصري والأغلبية الساحقة من الرهبان والأساقفة قرارات المجمع وعزل بطريركهم، واعتبروا النفي تعدياً سافراً على الكرسي المرقسي، مما أدى إلى انقسام الكنيسة تاريخياً إلى كنائس خلقدونية وكنائس غير خلقدونية (أرثوذكسية مشرقية)، وبدأت بوادر ثورة شعبية عارمة تتشكل في شوارع الإسكندرية والمدن المصرية ضد الإدارة البيزنطية.

في نوفمبر ٤٥١م، وبعد مرور أربعة عشر شهراً على حكم مارقيان، عاد الأساقفة المصريون الذين وقعوا على قرارات المجمع تحت الضغط الإمبراطوري إلى الإسكندرية يحملون أوامر بتعيين بطريرك جديد موالٍ للسياسة الإمبراطورية الخلقدونية، وهو بروتيريوس (Proterius)، ليكون أول بطريرك ملكاني يُفرض بالقوة العسكرية الإمبراطورية على الكرسي المرقسي في الإسكندرية بعد نفي البابا ديسقورس.

استقبل الشعب السكندري بروتيريوس بالرفض التام، واندلعت ثورة شعبية عارمة في شوارع الإسكندرية في أواخر نوفمبر وديسمبر ٤٥١م، وقام المتظاهرون بمحاصرة القوات البيزنطية واشتبكوا مع الجنود في المعابد والساحات العامة، وحاصر الثوار الجنود الرومان داخل معبد السيرابيوم (Serapeum) القديم الذي كان يُستخدم كحصن عسكري، وقاموا بحرق المبنى على من فيه من الجنود الإمبراطوريين.

أرسل الوالي فلوريانوس تقارير مستعجلة إلى الإمبراطور مارقيان بالقسطنطينية يبلغه بخرج مصر عن السيطرة وخسارة الجنود، فما كان من الإمبراطور إلا أن أمر بإرسال تعزيزات عسكرية فورية عبر البحر تتكون من ألفي جندي نظامي من القوات الخاصة تحت قيادة القائد العسكري لوتيريوس (Luterius) لإعادة النظام وفرض البطريرك الجديد بالقوة العسكرية.

انتهى عام ٤٥١م في مصر على وقع دماء واشتباكات دامية، حيث قامت القوات الإمبراطورية الجديدة باقتحام شوارع الإسكندرية وتأمين المفاصل الحيوية، وفُرض حظر تجول صارم، ومُنعت الحمامات العامة والمسارح من استقبال المواطنين كإجراء عقابي، وتم إجبار الإكليروس المحلي على التعامل بحذر، في حين تزايدت أعداد الفارين من وطأة البطش العسكري إلى البراري والأديرة القبطية في الصعيد والدلتا تضامناً مع البابا المنفي ديسقورس الذي بدأ فترة نفيه في غانغرا محاطاً ببعض تلاميذه المخلصين.

مع دخول يناير ٤٥٢م، كان الإمبراطور مارقيان قد أمضى في الحكم سنة و ٤ أشهر، وبلغ من العمر الستين عاماً، وبدأ العام الجديد بإصدار المراسيم الإمبراطورية الصارمة الصادرة في ٢٧ يناير ٤٥٢م، والتي نصت على فرض عقوبات مشددة على كل من يعارض قرارات مجمع خلقدونية، وحظر نشر أو كتابة أي مؤلفات تدافع عن الطبيعة الواحدة، وحرمان المخالفين من الوظائف العامة في الدولة ونفيهم خارج المدن الكبرى.

في مصر، وفي مطلع فبراير ٤٥٢م، عزل الإمبراطور مارقيان الوالي فلوريانوس نتيجة إخفاقه في السيطرة الأولية على الثورة السكندرية، وعين بدلاً منه الوالي جاناديوس (Gennadius) والياً على مصر ومحافظاً للإسكندرية، ومُنح صلاحيات عسكرية واسعة لدمج السلطتين المدنية والعسكرية لقمع الحركات الاستقلالية والثورات المصرية في الوجهين البحري والقبلي.

باشر الوالي جاناديوس مهامه بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت قادة الحركات الشعبية والخطباء في الكنائس الرافضة للخلقدونية، وقام بتأمين الحماية العسكرية اللصيقة للبطريرك الملكاني بروتيريوس الذي عجز عن إقامة الصلوات إلا في الكنائس التي تحرسها الفيالق الرومانية، بينما قاطعت الجماهير المصرية كنائسه وأطلقت عليه لقب "الخائن - يهوذا الجديد" و"الدخيل " لعدم شرعيته لديهم.

على الجانب الاقتصادي، عانت القرى والمدن المصرية في مارس ٤٥٢م من ركود تجاري نتيجة الحصار العسكري الذي فرضه جاناديوس على المراكز الحضرية الثائرة، وقام الوالي بمصادرة أموال وممتلكات عدد من الأعيان والتجار الذين ثبت تمويلهم للثوار والمحتجين، وتم تحويل تلك الأموال مباشرة إلى الخزانة الخاصة بالإمبراطور في القسطنطينية لتغطية النفقات العسكرية المتزايدة لحملات القمع.

خلال الأشهر من أبريل وحتى يونيو ٤٥٢م، بلغت المدة المنقضية من حكم الإمبراطور مارقيان سنة و ١٠ أشهر، وشهدت هذه الفترة تصعيداً عسكرياً خطيراً على الحدود الجنوبية لمصر، حيث شنت قبائل البليميين والنوبة (Nobatae) هجوماً شاملاً على مناطق الصعيد الأعلى وتوغلت في منطقة طيبة (Thebae) والواحات (Oases)، مستغلين سحب الإدارة البيزنطية لجزء كبير من القوات المرابطة في الجنوب لتعزيز القبضة الأمنية العسكرية في الإسكندرية والدلتا.

أمام هذا التهديد الذي هدد بضياع أقاليم مصر الجنوبية، اضطر الوالي جاناديوس إلى التنسيق العسكري مع القائد العسكري العام لولاية الشرق ماكسيمينوس (Maximinus)، الذي قاد حملة عسكرية برية وبحرية كبرى اتجهت جنوباً عبر نهر النيل  لصد هجمات القبائل الرعوية وتأمين الحدود الجنوبية لمصر وحماية مناجم الذهب والمناطق الزراعية الحيوية.

حققت الحملة العسكرية بقيادة ماكسيمينوس نجاحاً كبيراً في مايوم ٤٥٢م، حيث تم دحر قوات البليميين والنوبة وتكبيدهم خسائر فادحة، وملاحقتهم إلى ما وراء الشلال الأول، واضطرت تلك القبائل إلى طلب الصلح وتوقيع معاهدة سلام أبدية مدتها مائة عام مع الدولة البيزنطية، تضمنت شروطاً قاسية منها إطلاق سراح جميع الأسرى الرومان، ودفع تعويضات مالية، وتقديم رهائن من أبناء الملوك والزعماء لضمان الولاء والتعهد بعدم مهاجمة الأراضي المصرية مجدداً.

سمحت هذه المعاهدة، التي أبرمت في يونيو ٤٥٢م، للقبائل بالزيارة الدورية لمعبد إيزيس (Isis) في جزيرة فيلة لأخذ تماثيل الآلهة واستعارتها لفترة قصيرة من الوقت ثم إعادتها، وهو شرط ديني أصر عليه البليميون وقبله ماكسيمينوس لتأمين الاستقرار طويل الأمد، وعادت الفيالق العسكرية الرومانية إلى معسكراتها في أسوان وفيلة، مما أتاح للإدارة المركزية في الإسكندرية التقاط الأنفاس وإعادة التركيز على الملفات الداخلية .

مع بداية يوليو ٤٥٢م، دخل الإمبراطور مارقيان شهره الثالث والعشرين في الحكم، وتوفيت في هذا الصيف الإمبراطورة بولكيريا بالقسطنطينية، مما ترك أثراً حزيناً في البلاط البيزنطي، لكن مارقيان استمر في إدارة الدولة بقبضة حديدية، وأصدر توجيهات جديدة للوالي جاناديوس في مصر بضرورة الإسراع في إنهاء أي مظهر من مظاهر المعارضة الدينية والسياسية قبل حلول موسم الحصاد وفيضان النيل.

في أغسطس ٤٥٢م، أكمل مارقيان عامين كاملين في سدة الحكم الإمبراطوري، وفي هذه الأثناء واجه الوالي جاناديوس ثورة ريفية وعمالية في منطقة الدلتا وبخاصة مدينة نيقيوس (Niciou) والمناطق المحيطة بها، حيث رفض الفلاحون والعمال الأقباط تسليم الحصص المقررة من الغلال للإدارة الرومانية احتجاجاً على نفي البابا ديسقورس واستمرار التنكيل بالقادة الكنسيين الوطنيين الرافضين للخلقدونية.

استخدم جاناديوس القوة المسلحة الغاشمة لإخماد ثورة الدلتا في سبتمبر ٤٥٢م، حيث سير فيالق عسكرية قامت بحرق بعض القرى المتمردة ومصادرة مخازن الحبوب بالقوة، وإعدام المحرضين ميدانياً، وتم سحب كميات القمح المقررة وشحنها قسراً إلى ميناء الإسكندرية تمهيداً لنقلها إلى العاصمة عبر الأسطول السعيد ، لضمان استقرار التموين الغذائي في القسطنطينية ومنع حدوث أي قلاقل في عاصمة الحكم.

أما في الإسكندرية، فقد استمر بطريرك الكنيسة الملكانية بروتيريوس في محاولاته لبسط نفوذه الكنسي بدعم من جاناديوس، فقام بالاستيلاء على الكنائس القبطية التاريخية وتحويل أوقافها لصالح الطائفة الخلقدونية التابعة للملك (الملكانيين)، مما زاد من حالة الاحتقان والعداء والكره والرفض الشعبي له، وتحولت الحياة اليومية في العاصمة المصرية إلى حالة من الحرب الباردة والمقاطعة الاجتماعية الشاملة بين الأقباط والرومان.

شهدت الأشهر من أكتوبر وحتى ديسمبر عام ٤٥٢م استقراراً نسبياً مشوباً بالخوف والحذر في مصر بعد عامين وثلاثة أشهر من اعتلاء مارقيان العرش، وفي أكتوبر ٤٥٢م وصلت أنباء من جزيرة غانغرا تفيد بتدهور الحالة الصحية للبابا المنفي ديسقورس الأول بسبب قسوة النفي والطقس، ومع ذلك ظل ثابتاً على موقفه اللاهوتي يرسل الرسائل التعليمية إلى شعب مصر عبر شبكات سرية من الرهبان والمسافرين، مما عزز الصمود الروحي لدى الأقباط.

في نوفمبر ٤٥٢م، ركز الوالي جاناديوس جهوده الإدارية على إعادة تنظيم النظام الجبائي والضريبي في مصر الوسطى ومصر العليا، وفرض رسوماً إضافية على المعاملات التجارية الداخلية لتعويض التكاليف الباهظة للحملة العسكرية التي قادها ماكسيمينوس ضد البليميين في وقت سابق من العام، ونجح في تأمين الاستقرار المالي للإدارة الإقليمية برغم التذمر الشعبي الصامت.

تلقى الوالي جاناديوس في مطلع ديسمبر ٤٥٢م رسالة إمبراطورية من مارقيان يثني فيها على نجاحاته العسكرية والمالية في مصر، ويأمره بالاستمرار في فرض قرارات مجمع خلقدونية دون أي تهاون، وتشديد المراقبة على الحدود الغربية لمصر لمنع أي تحركات محتملة من القبائل الليبية)(Maziks) التي كانت تتربص بالواحات الغربية ومقاطعة مارماريكا (Marmarica) (إقليم مريوط وواحة سيوة).

اختتم شهر ديسمبر ٤٥٢م في مصر والإمبراطورية بفرض هدنة عسكرية مدنية شاملة أحكمت فيها الفيالق البيزنطية سيطرتها على كافة المدن والموانئ المصرية، واستقر البطريرك بروتيريوس في قصر البطريركية محاطاً بالحراب الرومانية، فيما انزوت الكنيسة القبطية الوطنية في الخفاء تدير شؤونها الروحية بعيداً عن أعين الإدارة الحاكمة، لتنتهي هذه الحقبة الزمنية المحددة بانتصار ظاهري للسياسة الإمبراطورية ومقاومة وطنية عقائدية متجذرة في عمق الوجدان المصري.

📜هذا المقال الخامس عشر من السرد التاريخي و التاسع عشر من سلسلة مقالاتنا حول "مصر البيزنطية" .

🔴 حقوق النشر والملكية الفكرية حصرياً لصفحة حكاوي القاهرة مع امجد 

♦️ أي إعادة نشر لمقالاتنا دون الإشارة إلى صفحتنا يعرض صاحبها إلي الإجراءات القانونية اللازمة حيال الحفاظ على الملكية الفكرية.

❤️ التعليق والإعجاب بالموضوع يزيد من فرص وصوله إلى آخرين ،تابعونا وانتظروا المزيد 

#حكاوي_القاهرة_مع_امجد

#مصر_البيزنطية

#مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع

أعمال مجمع خلقدونية المسكوني ، تعريب الأب ميشيل وأسعد حكيم ، دار المشرق ، بيروت ، لبنان ، ١٩٨٤م ، الجزء ١ ، ص ٤٥-١١٢

تاريخ الأمة القبطية ، يعقوب نخلة روفيلة وفؤاد صبري ، مطبعة التوفيق ، القاهرة ، مصر ، ١٩٢٢م ، ص ٧٨-١٣٥

تاريخ الكنيسة القبطية ، القس منسى يوحنا ، مكتبة المحبة ، القاهرة ، مصر ، ١٩٨٣م ، ص ٢١٠-٢٦٧

تاريخ مصر في العصرين اليوناني والروماني ، د. مصطفى العبادي وجمال حمدان ، دار النهضة العربية ، بيروت ، لبنان ، ١٩٧٦م ، ص ٣١٥-٣٨٩

الولاة والحكام الرومان في مصر ، د. رأفت عبد الحميد البدرواي ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، ١٩٩١م ، ص ١٤٢-١٩٨

تاريخ الدولة البيزنطية ، د. جوزيف نسيم يوسف ، دار المعارف ، الإسكندرية ، مصر ، ١٩٨٢م ، ص ٨٩-١٤٣

مصر والبيزنطيون في القرن الخامس الميلادي ، د. ليلى عبد الجواد إسماعيل ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، مصر ، ١٩٩٨م ، ص ٦٧-١٢٤

تاريخ البطاركة ، ساويرس بن المقفع ، مطبعة الآباء اليسوعيين ، بيروت ، لبنان ، ١٩٠٤م ، الجزء ١ ، ص ١٥٥-٢١٢

انشقاق الكنيسة وأثره على السياسة البيزنطية في مصر ، د. رأفت عماري ، دار الثقافة ، عمان ، الأردن ، ٢٠٠٣م ، ص ٩٩-١٦٧

العلاقات بين روما والقسطنطينية والإسكندرية في العصر البيزنطي المبكر ، د. محمد مرسي الشيخ ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، مصر ، ١٩٨٩م ، ص ١٣٤-١٩٠

الحركات الشعبية والثورات في مصر الرومانية والبيزنطية ، د. عبد اللطيف أحمد علي ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، مصر ، ١٩٧١م ، ص ٢٠٢-٢٥٨

القبائل الرعوية على حدود مصر الجنوبية في العصر البيزنطي ، د. محمود محمد الحويري ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، ١٩٨٦م ، ص ٤٥-٩٣

المجتمع السكندري في القرن الخامس الميلادي ، د. زبيدة محمد عطا ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، مصر ، ١٩٨٤م ، ص ١١٨-١٧٦

The Chronicle of John, Bishop of Nikiu, Robert Henry Charles, Evolution Publishing, Paxson, United States, 2007, pp. 110-145

The Ecclesiastical History of Evagrius Scholasticus, Michael Whitby, Liverpool University Press, Liverpool, United Kingdom, 2000, pp. 55-98

The Council of Chalcedon Re-examined, Vahan Hovhanessian, Peter Lang Publishing, New York, United States, 2009, pp. 87-134

Marcian and the Byzantine Empire 450-457, Richard Burgess, Oxford University Press, Oxford, United Kingdom, 1994, pp. 122-189

The Roman Eastern Frontier and the Persian Wars, Geoffrey Greatrex and Samuel Lieu, Routledge, London, United Kingdom, 2002, Vol II, pp. 67-104

Byzantium and the Arabs in the Fifth Century, Irfan Shahid, Dumbarton Oaks Research Library, Washington, United States, 1989, pp. 143-195

The History of the Church of Alexandria, John Mason Neale, Masters Publishing, London, United Kingdom, 1847, Vol II, pp. 8-74

The Governance of Late Roman Egypt 284-641, Timothy David Barnes, Cornell University Press, Ithaca, United States, 2001, pp. 156-210

A History of the Byzantine State and Society, Warren Treadgold, Stanford University Press, Stanford, United States, 1997, pp. 97-154

The Copts of Egypt: The Development of a Nation, Iris Habib El-Masri, Church of the Virgin Publishing, New Jersey, United States, 1982, pp. 165-223

The Acts of the Council of Chalcedon, Richard Price and Michael Gaddis, Liverpool University Press, Liverpool, United Kingdom, 2005, Vol III, pp. 34-112

Epitome of the Ecclesiastical History of Philostorgius, Edward Walford, Henry Bohn Publishing, London, United Kingdom, 1855, pp. 189-234

 

للمزيد اضغط هنا... 

التعليقات (0)

كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال.

إذا كانت لديك أي معلومات إضافية حول هذا الموضوع، يُسعدنا تزويدنا بها من خلال مراسلتنا.
ولا تنسَ ترك تعليقك، فرأيك محل اهتمامنا 👇

أضف تعليقاً