بقلم: الكاتب الساخر محمود السعدني ـ أبو كيلة في اسرائيل

. _ موسوعة السعدني _ ليس من السهل أن يخطف الرجل طفلا رغم أنفه, وليس أمرا عاديا أن تقوم عصابة بخطف كهل حتى ولو كانت ركبتاه تعاني من خشونة, وأمعاؤه تعاني من انتفاخ . ذلك لأن خطف إنسان حي بالعافية هو عمل محفوف بالمخاطر. فما بالك إذا كان المخطوف شابا في ريعان شبابه؟ ومن أصحاب المجانص والعضلات, بالاضافة الى كونه جنديا من جيش يزعم أصحابه أنه لا يقهر ولا يهزم, ويبدو أنهم صادقين بالفعل لأنهم لم يقولوا أنه لايخطف! والمعجزة الحقيقية أن المخطوف لم يكن بمفرده, ولكنه كان (صحبة وأنا معهم) أما صحبته فهي من نوعه, عساكر ومسلحين بأحدث الأسلحة. والأكيد أنهم لم يكونوا في حالة سكر أو في طريقهم الى حفلة رقص, ولكنهم كانوا في مهمة قتالية, المدافع الرشاشة تتدلى من أكتافهم, والقنابل اليدوية في حقيبة تحت أقدامهم, وثالثة الأثافي أنهم ليسوا عساكر أنفار, ولكنهم برتبة رقيب ورقيب أول, أي أنهم قادة لطابور العساكر, ومع ذلك تم خطفهم في هدوء وفي يسر, ولو كان المخطوفون يرتدون البارباتوزات, وتتدلى من أفواههم البزازات لصرخوا وبكوا وربما لفتوا الأنظار اليهم, ولكن أشاوس بني صهيون, استسلموا في هدوء, وساروا مع خاطفيهم في سلام, وعبروا الحدود معهم وهم غاية في الكمال والأدب.
ذات مرة رأيت فأرا في قمة الصحة والعافية, كان يسير على سطح جدار عال, وفي الأسفل وقف قط نفش فروته ونظر نظرة نارية الى الفأر فاختل توازنه وسقط على الأرض, سقط كأنه طوبة لم يتحرك ولم يتململ, ولكنه تكور حول نفسه وجلس مكانه حتى وصل اليه القط وراح يأكله بالهنا والشفا! لم يكن ما حدث في مزارع شبعا حادث خطف ولكنه فضيحة بجلاجل ولعل هذا هو السبب الذي جعل بدن رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك يرتعش أثناء المؤتمر الصحفي الغاضب الذي عقده بالقرب من الحدود اللبنانية, والذي أثبت فيه أنه متأثر بشدة بالأسلوب العربي, وراح ينذر ويهدد ويحدد المهلة التي يجب على الخاطفين تسليم العساكر المخطوفة.. وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور التي ستنزل على رأس المنطقة. في البداية سمح سعادته بأربع ساعات فقط لتسليم العساكر, ثم مضت أربعين ساعة ولم يحدث أي شي. ثم راح يتصل بحكومة ألمانيا طالبا مساعيها الحسنة لحل المشكلة, مأساة اسرائيل هي الإحساس بفرط القوة.
وكان المعلم مرسي الجنايني هو أقوى رجل في الجيزة, وكان لسان حاله يردد وهو يمشي.. يا أرض انهدي ما عليكي قدي, وكان المعلم الجنايني يؤمن بأنه يستطيع أن يحل أي مشكلة بقبضة يده. وأن بمقدوره أن ينجز أي عمل باشارة من أصبعه. وذات يوم جمعة خرج المعلم مرسي الجنايني من المسجد بعد اداء صلاة الجمعة وجلس على قهوة محمد عبدالله, ولكنه شعر بوجع شديد في أحد ضروسه, وفجأة جاء الشاب أبو كيلة وهو مواطن شهير بالجيزة و أبناء جيلي يعرفونه حق المعرفة. جاء أبو كيلة وصعد على كرسي في منتصف المكان وراح يعلن عن طريقته المبتكرة لخلع الضرس بدون حس. والتف الناس بالعشرات حول أبو كيلة في اللحظة التي نهض فيها المعلم الجنايني واقتحم الحلقة المضروبة حول أبو كيلة, واقترب منه وأشار له على ضرسه الموجوع. مد أبو كيلة يده بدوبارة طويلة وطلب من الجنايني أن يضع طرفها تحت ضرسه الموجوع وقال له سأعد من واحد الى ثلاثة, وعندما أصل الى ثلاثة انحني بشدة حتى تقترب رأسك من الأرض, ثم اهتف على الفور.. انزل يا ضرس من غير حس!! راح أبو كيلة يعد بصوت مسموع واحد اثنين ثلاثة, بينما كان الجمع المحتشد حول أبو كيلة قد بلغ عدة مئات. وعندما وصل الى ثلاثة سجد المعلم الجنايني حتى لامست رأسه الأرض. وقال في صوت مسموع.. انزل ياضرس من غير حس . عندئذ مد أبو كيلة أصبعه. وتعالت ضحكات الناس وسقط بعضهم على الأرض من شدة الضحك, وانتابت الدهشة بعضهم فوقفوا كالتماثيل خوفا من انتقام المعلم الجنايني. في تلك اللحظات كان أبو كيلة قد قفز من فوق مقعده وأطلق ساقيه للريح واختفى داخل حواري الجيزة, عندما نهض المعلم الجنايني كان لابد أن ينتقم, ولم يكن أمامه إلا الدكاكين المنتشرة في ميدان الجيزة, وتمكن المعلم الجنايني من تحطيم محل الخواجا مخالي وكبابجي الحاج القناديلي وحديقة وقهوة سان سوسي ومحل الحاج أحمد الأفغاني للفول والطعمية, انتصر المعلم الجنايني على كل الدكاكين في الميدان, ولكنه منذ لحظة استخدام أبو كيلة لطريقته الخاصة, كان الجنايني قد فقد هيبته وفقد احترامه, ومنذ ذلك اليوم وبعد أن انتهى من تحطيم الدكاكين اختفى المعلم الجنايني من الجيزة فلم يره أحد بعد ذلك.
إن ما حدث للمعلم الجنايني حدث مثله للمعلم الجنايني الاسرائيلي انتصر على أطفال فلسطين وأطلق الرشاشات على صدورهم وقتل منهم العشرات. ولكن خطف المحروسين من شاوشية جيش الدفاع الاسرائيلي كان أشبه بعملية أبو كيلة. وهي عملية تاريخية انحني لها وأضع قبلة طويلة على أصابع كل أعضاء حزب الله. التنظيم الوحيد المسلح الذي هرع لنجدة إخوانه الفلسطينيين. وهو الأمر الذي يدعوني أتساءل عن عنوان حركة حماس خصوصا بعد أن صرح أحد أقطابها على شاشة قناة الجزيرة بأن منظمة حماس ستتحرك في الوقت المناسب, مناسب!! فيه وقت مناسب أكثر من هذا الوقت, والعبد لله يعتقد من ملاحظة حركة حماس أنها منظمة سياسية شأنها شأن حزب التحرير الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لأنها لا تنشط إلا عندما تلوح بارقة أمل في الوصول الى اتفاق يضمن الحقوق الفلسطينية, إنها تقوم بترجمة الشعار الشهير.. الاستعمار على يد سعد ولا الاستقلال على يد عدلي. وبعد.. أقول للخواجا باراك الجنايني, مأساتك هي مأساة شمشون الجبار.. الاحساس بفرط القوة, وتستطيع يا خواجا أن تهدم الدكاكين وأن تطفئ أنوار الميدان, ولكن أبدا لن تستطيع أن تمحو أثر عملية أبو كيلة. تعيش يا خواجا و تاخد غيرها وغيرها وغيرها.. قول بإذن الله !

التعليقات (0)
كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال.
