يكتب: الكاتب الكبير اكرم السعدني في سلسلته الشهيرة " سعدنيات "شد الكرسي يا محمود".. قصة العودة من المنفى


. بقلم: الأستاذ اكرم السعدني
. _ موسوعة السعدني _ من حكايات الكاتب الكبير اكرم السعدني في سلسلته الشهيرة " سعدنيات "
"شد الكرسي يا محمود".. قصة العودة من المنفى، ومكالمة الكفراوي، وإزاي نكتة عادل إمام كادت تودي السعدني في داهية مع مبارك!
تبدأ الحكاية من سنوات الغربة والمنفى؛ حيث كان محمود السعدني يرسل ابنته "هالة" وأولاده لقضاء إجازة الصيف في مصر، بينما يُبقي ابنه أكرم معه في الخارج خوفاً من بطش السادات. كبر أكرم وفي قلبه غضب مكتوم وشوق جارف لمصر، لدرجة أن السعدني أحضر والدته (الست أم محمود) إلى العراق لشدة تعلقه بها، والتي ورث منها السعدني خفة دمه وسرعة بديهه الذكي والخارق، ولما توفيت تركت صدمة في قلوب العائلة.
بعد اغتيال السادات بأيام، ركب أكرم الطائرة عائداً لمصر عبر الأردن (في رحلة بهدلة وتعذيب للمصريين في الخارج لم يكن لها أي مبرر سياسي، فالشعب المصري لطالما كانت فلسطين قضيته الحقيقية). وفي مطار القاهرة، لقى أكرم نفسه تحت ملاحظة أمن الدولة في عهد النبوي إسماعيل لمدة 8 ساعات، داخل غرفة يملؤها ضباط ذوو بنية عضلية ضخمة يتحدثون بلغة العضلات!
لكن الحال تبدل سريعاً برحيل النبوي إسماعيل ومجيء وزير الداخلية المحترم حسن أبو باشا—وهو للمفارقة نفس الضابط الذي أشرف على اعتقال السعدني وأحمد رشدي صالح في عهد عبد الناصر وعاملهم بإنسانية شديدة، وظل محتفظاً بشقته المتواضعة من يوم ما كان ملازم أول لحد ما بقى وزير!
1 اللقاء الأول في العروبة.. "صلّ على النبي يا ريس!"
في سنة 1982، وبعد تنسيق آمن من رئيس هيئة الاستعلامات محمد حقي، عاد محمود السعدني إلى مصر مستقبَلاً بحفاوة من رجال أمن الدولة. العائلة كانت تنام "نوم العفاريت" المتقطع خوفاً من أن يطرق الباب زوار الفجر، متسائلين: هل سيمر مقال السعدني الساخر عن السادات مرور الكرام، أم أن مبارك سيكمل مسيرة سلفه؟!
لكن المفاجأة جاءت بطلب الرئيس مبارك مقابلة السعدني في منزله بالعروبة. مبارك أخذ السعدني إلى حديقة المنزل، وأمسك بكرسي حديدي ثقيل جداً (من طراز الفيرفورجيه) ورفعه بيد واحدة قائلاً للسعدني: "شد لك كرسي واقعد يا محمود". السعدني تقدم ليجر الكرسي فوجد نفسه سيقع من فرط ثقله، فنظر لمبارك بذهول وقاله: "اللهم صلي على النبي يا ريس! دي أكله إيه دي اللي بتخلي الكرسي يتشال بيد واحدة؟!"، وضحك مبارك وانكسر الجليد.
2 نافورة الـ 75 ألف دولار ومطبخ مجلة "23 يوليو"! ⛲
جلس مبارك والسعدني أمام نافورة في الجنينة، وبادر مبارك بسؤال ذكي: "الدنيا معاك عاملة إيه يا محمود؟ النافورة البسيطة دي تسوى 75 ألف دولار؟!".
مبارك كان يقصد مقالاً نُشر في مجلة "23 يوليو" (التي أصدرها السعدني في المنفى واستمرت لـ 52 عدداً فقط) يهاجم تكلفة نافورة في قصر نائب الرئيس وقتها! السعدني رد بذكائه المعهود: "يا ريس أنا رئيس التحرير مع نور السيد، ومجلس الإدارة طويل عريض، وأنا مش مسؤول غير عن المقال اللي عليه اسمي حرفياً، هل أنا كتبت المقال ده؟"، مبارك قال له: "لا بس المجلة طالعة باسمك"، وشرح له مبارك حكاية النافورة وأن تكلفتها كانت كلام فارغ. السعدني ذهل من شدة تدقيق مبارك وقراءته للمجلة من الجلدة للجلدة وحفظه لمقالاته!
وقبل أن يغادر، سأل السعدني مبارك سؤالاً فلسفياً: "يا ريس.. إيه إحساسك وأنت جالس على نفس الكرسي اللي قعد عليه قطز ومحمد علي وجمال عبد الناصر؟".. مبارك التفت إليه بكل ظرف وقاله: "يا خويا عجبك الكرسي؟ خده معاك وأنت مروح!". السعدني خرج حزينا من رد فعل الرجل، وذهب فوراً للأستاذ محمد حسنين هيكل وحكى له اللقاء وسط دهشة الجميع.
3 مكالمة الكفراوي وأفيونة الشعب المصري! ⚠️
مبارك كان يستشهد بمقالات السعدني دائماً؛ لدرجة أن المهندس حسب الله الكفراوي كلم السعدني في التليفون وقال له: "الرئيس جاب سيرتك بالخير مع المستثمرين وقايل إن السعدني ما بيجاملش حد، بدليل إنه مدح مستثمر هندي ومستثمر مصري بحيادية شديدة".
وفي لقاء موسع جمع مبارك بكبار كتاب مصر (مثل السعدني وفيليب جلاب وعبد الستار الطويلة—وهي شلة محترمة وصادقة تكتب للصالح العام دون مصلحة شخصية)، بدأ مبارك يشرح الأزمة الاقتصادية وضغوط صندوق النقد الدولي، وأعلن نيته رفع الدعم عن السلع الأساسية.
وفي لحظة صمت بين السطور، صرخ السعدني بصوته الجهوري: "علي الطلاق يا فندم لو رفعت الدعم هتحصل كارثة!". مبارك تماسك وقاله: "لما أخلص يا محمود هنتكلم".
وبعد الندوة، التفت إليه مبارك وسأله: "ليه بتقول كارثة يا محمود، الرغيف بتعريفة؟" السعدني رد بعمق وبساطة: "يا فندم هو بتعريفة بس المواطن مخاصم الجزار وبتاع الفراخ لضعف المرتبات، ولو رفعت الدعم عن الشاي والسكر بالذات هتحصل مصيبة.. الشاي والسكر دول (أفيونة الشعب المصري) وأي مساس بيهم يعمل ثورة!". مبارك هز رأسه باهتمام، وعلم السعدني لاحقاً أن الرئيس كلف الأجهزة الأمنية بدراسة كلام السعدني، ورفعت له التقارير تؤكد دقة الرؤية، فراجع مبارك قراره وأصبح السعدني وفيليب جلاب مصدر ثقته في نبض الشارع!
4 نكتة عادل إمام.. هل نصحح خطأ الرؤساء؟! 🎬🕵️
في لقاء غير رسمي جمع بين مجموعة من السياسيين والفنانين (بينهم عادل إمام وصلاح السعدني)، كان مبارك يحب الاستماع لعادل إمام. السعدني كان يردد دائماً مقولة: "مبارك هو الرئيس الوحيد اللي اختلف عن الباقيين، وبدأ عهده من غير ما يسجني، بعكس عبد الناصر والسادات اللي بدأوا عهدهم بسجني!".
عادل إمام أخذ الميكروفون بجرأته المعهودة وقال: "سيادة الرئيس.. تسمح لي بسؤال شخصي؟ أنا سامع محمود السعدني بيقول إنك الرئيس الوحيد اللي بدأ عهده بدون ما يسجنه.. فهل نأمل من سيادتك إنك (تصحح الخطأ ده وتطلبه للزنزانة)؟!".
مبارك مات على روحه من الضحك، والتفت للسعدني قائلاً: "إيه رأيك يا سعدني؟". السعدني رد بكل سرعة بديهة: "يا فندم لو هتسجنه معايا في نفس الزنزانة أنا ماعنديش مانع!". مبارك ضحك، ثم استرجع جديته الصارمة ووجه رسالة حاسمة للحضور وللأجهزة: "السعدني مش هيتسجن في عهدي أبداً!".
وهذا العهد استمر طويلاً، لدرجة أنه لما رفعت قضايا صعبة ضد السعدني ووصلت للنائب العام، حمى مبارك قلمه وظل السعدني يكتب بحرية لا يجرؤ عليها كاتب آخر.
أمانة للتاريخ: صدام حسين وحسني مبارك (رحمهما الله) كانا من الحكام النادرين الذين حموا عائلة السعدني؛ فبفضل قرار تاريخي من مجلس قيادة الثورة العراقي أصدره صدام خصيصاً، عاد أكرم وهالة للجامعات العراقية بنفس صفوفهم الدراسية بعد أن تعنت معهم حسن حمدي (عميد جامعة القاهرة) ورفعت المحجوب في مصر وأرادوا إعادتهم لسنة أولى وضياع 4 سنوات من عمرهم في الغربة! يرحل الحكام وتظل مواقف الجدعنة محفورة في التاريخ.

التعليقات (0)
كن أول من يترك تعليقاً على هذا المقال.
